الصحبة العلمية وإنتاج الأفكار من صميم أولويات الجامعة” رؤية نقدية لحصيلة الكلية المتعددة التخصصات بالسمارة منذ سنة 2012″

0

صحراء بينتي تريس : المحفوظ الخطاط

ندرك جيدا السياق التاريخي الذي أنشئت فيه الكلية بالسمارة سنة 2012، ونشكر جزيل الشكر كل المتدخلين والفاعلين من علماء ومنتخبين وأساتذة أسهموا من قريب أو بعيد في إنجاح هذه المحطة العلمية الهامة، فبالرغم من المعيقات والتحديات التي واجهت الكلية المتعددة التخصصات بالسمارة على مستوى الأطر التربوية والتعليمية والبنية التحتية، استطاعت أن تصمد أمام مجموعة من التحديات إلى حد ما في مستوى من المستويات، وعلى الرغم من المخرجات التي قدمتها الكلية خلال هذه السنوات تبقى حصيلتها مقارنة مع الجامعات المغربية متدنية، وتكاد كلية السمارة اليوم تُنازع أدوار المجتمع المدني ومراكز تحفيظ القرآن، وذلك من خلال بعض أنشطتها المتمثلة في توزيع الملابس، وتحفيظ القرآن الكريم، وتنظيم مسابقات في السيرة النبوية، وتنظيم أنشطة في دوريات كرة القدم، والتراث الحساني المرتبط “بالغنى” والرسم على الجداريات، فضلا عن تنظيم زيارات ميدانية لبعض المرافق العمومية مثل المحكمة للتعرف على مرافقها وأدوارها…وإن كانت هذه الأنشطة على قدر أهميتها ولا نبخس من قيمتها الدينية والاجتماعية، فأن تقوم بها جمعيات أو مراكز متخصصة أو مجالس علمية فذاك يليق بها، لكن قد لا يكون مقبولا أو مستساغا في عصرنا اليوم. مسمى جامعة علمية تترك أدوارها الحقيقة المنوط بها. فهذا تردي وتدني حقيقي في الأدوار والتطلعات المنوطة بها وفق قانونها الأساسي والتنظيمي رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي.. كما تظل العديد من الإكراهات التي تعاني منها الكلية قائمة، ولعل من بينها على سبيل المثال لا الحصر: افتقاد طلبة هذه الكلية ” للصحبة العلمية ” مع الأساتذة الباحثين طيلة المواسم الجامعية.
صحيح أن الكلية تضم بعض أساتذة أكفاء، ولهم تجربة علمية كبيرة، وكان لهم دور كبير في إنجاح انطلاق مشروع الكلية بالسمارة إلى حد ما في بداياته دون نهاياته، كما يتحلون بأخلاق عالية وأصيلة، لكن تظل هناك مجموعة من الملاحظات الموضوعية التي أُخذت عليهم من هذه الناحية، وهو عدم صحبة الأستاذ الباحث للطالب طيلة الموسم الجامعي، وقد يكون افتقادهم لهذا الشرط أمر خارج عن إرادتهم بحكم بعدهم عن مكان استقرارهم وذويهم ونحمل ذلك على محمل الظن الحسن بهم. لكنهم لا شك سيسألون أمام الله والتاريخ عن هذه الأمانة وعما اكتسبوه من حق بسم أستاذ جامعي دون استيفاء حق ما يتوجب عليهم كأساتذة جامعين تجاه الطالب والكلية والبحث العلمي والمجتمع. فالناظر في الملف الوصفي الذي تعده الجامعة لكل أستاذ في تدريس مواده يتراوح ما بين حصتين في الأسبوع ويلزمه التعويض إذا ما غاب بمبرر موضوعي. فهل أساتذة السمارة يدرسون وفق هذا الملف الوصفي أم وفق هواهم، وأنتم تعلمون قول الإمام الشاطبي رحمه الله:” المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف من داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا” فبأيهم تدرسون وتزاولون مهامكم فاختاروا بين حق الحق وهوى النفس فإنكم كما قال الله تعالى:” وقفوهم إنهم مسئولون”.
لكن اليوم أصبح من الواجب علينا في مدينة السمارة أن نصدح بأن الحاضرة العلمية باتت تشهد حركة علمية كبيرة خاصة في الأثر العلمي الذي أُنتج طيلة السنوات الماضية، كما أصبحت تزخر بأطر عالية الكفاءة ولها من المؤهلات العلمية الكبيرة التي يشهد لهم بها الداني والقاصي، وبات الشرط القانوني والعلمي يتوفر فيهم وزيادة. فهل سنجدهم عما قريب يدرِّسُون في هذه الكلية ؟ خاصة مع التصريحات التي شاهدناها بكل فخر واعتزاز يوم أمس لرئيس المجلس الإقليمي سيدي محمد سالم لبيهي في الدورة العادية يوم الإثنين 2024-06-10. فلا شك أن الله أجرى على لسانه الحق فنطق به وقال: “كفى..كفى..كفى..غير مقبول ولا نقبله” وكما قال لسان حال أهل الدشرة ” الطفكى لا تخلك” فإنما قال قوله عن علم وتريث بعد أن ناهز تأسيس الكلية قرابة عقد من الزمن ونيف ولم يظهر له أي مخرجات لأهدافها لا على المستوى العلمي ولا على المستوى الاجتماعي ولا التشغيلي، وهذا يحسب له وإن اختلفنا معه فالعديد من القضايا، لكن كلامه لامس انشغالاتنا وغيرتنا وتمازجت الرؤى وتوافقت على الحسن. “فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح ” فلاشك أنه رأى القبيح ول يسكت عنه وهذا لا يعني أنه يضرب بمصداقية الكلية بل بالعكس ما قام به هو من صميم ما تقوم به أرقى مصاف الدول في تقييم سياساتها ومشاريعها، لذلك نحسب هذا القول إنما هو تصحيحي وتقييمي لمسار الكلية وأنها خرجت عن مسارها الذي أسست من أجله في بداياتها وهذا الأمر في غاية الأمية بمكان، التأسيس ثم الدعم ثم التقييم والتصحيح وهذا هو عين الصواب.
فأين أبناء السمارة من إعلانات جامعة ابن زهر عن المناصب الجديدة المخصص للكلية كل سنة أليس فينا رشيد أليس فينا متعلم واحد يدرس في هذه الكلية هل نحن استثناء وأنتم الأصل؟
وبالعودة للحديث عن الشرط، تبرز أهمية الصحبة العلمية بين الأساتذة وطلبة الكلية في أن هذا الشرط العلمي أصبح مرتكز أساسي اليوم، ليس فقط في تحصيل الطالب، وإنما في إنجاح المشروع العلمي للكلية برمته، وذلك لاعتبارات موضوعية وعلمية واقعية نذكر من بينها:
1- إن الصحبة العلمية بين الأستاذ والطالب منذ بداية الموسم الجامعي، تساهم بشكل كبير في تكوين الطالب ونقل المعارف إليه بما تقتضيه الإشكالات المفترضة، والورطة العلمية المتدرجة التي يقع فيها الطالب وفق ما تمليه عليه الدروس الأساسية والتوجيهية والتطبيقية التي يتلقاها من طرف الأستاذ الباحث، فحين إذا كان هناك انقطاع بين الأستاذ والطالب مدة من الزمن ينسى الطالب المادة العلمية وحيثياتها، فضلا عن الإشكالات التي قد لا تحضره في الفترة الوجيزة التي يتواجد فيها الأستاذ في الكلية، فقد تطرأ عليه في سلسلة التعلمات الطويلة التي يتكون بها – والتي قد تصل إلى شهر أو شهرين – إشكالات علمية قد لا يتواجد فيها الأستاذ في الكلية، خاصة إذا كان هذا الأخير من الذين يلقون دروسهم في أسبوع كامل أو أسبوعين على أكثر تقدير، وبهذا يكون قد أخل الأستاذ بواجباته العلمية والأخلاقية على حساب الواجب الأسري نظير بعده عن مكان سكناه.
2- إن الصحبة العلمية للأساتذة الباحثين غير مقتصرة على الطالب فقط، بل هي متعدية إلى صحبة مشروع الكلية بأكمله من حيث الأهداف المتوخاة تحقيقها والتي بنيت الكلية من أجلها؛ ومن ذلك نشر العلوم والمعارف، ونشر الدراسات والبحوث الأكاديمية، وعقد المؤتمرات والندوات الإشعاعية، وتنظيم الدورات العلمية والتكوينية، ولا شك أن تنظيم هذه المعارف يحتاج إلى باعث ذاتي وفكري نابع من الحرقة التي يعيشها الباحث داخل البيئة، كما يحاول قدر المستطاع أن يعالج هذه الإشكالات الاجتماعية والثقافية والحاجات الفكرية للطلبة وأن يصيب منها أيضا الشريحة الواسعة من العامة، فكل مؤتمر أو ندوة أو دورة تكوينية أغفلت في بنائها وأرضيتها العلمية السياق والإشكالات الحقيقة التي تعيشها المنطقة والحاجيات من منسوب المعرفة يخشى عليها عدم تحقيق أهدافها وذلك لسبب وحيد وهو انعدام الأفق والأهداف.
وصدق الله تعالى عندما قال في محكم تنزيله:” لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم” وقوله سبحانه في آية أخرى: “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم” وقوله تعالى:” وما أرسلنا من رسولا إلى بلسان قومه”. فدلت هذه الآيات على أن المُبَلِّغَ يكون من قومه بحسب ما يكون منه. يعرفونه ويعرفهم، يعلم بحالهم وحاجاتهم، ويشعر بهم، ويرأف بهم، فإذا تحقق هذا، ضمن عدم غَشهم وضمن عدم خديعته لهم، وضمن حسن تدبيره لهم، وضمن أمانته تجاههم. فهو منهم، وهم منه، فكيف بعد بهذا سيخونهم؟ وهو يعلم أن فلاحهم، مرتبط بفلاحه، وسقوطهم هو سقوط له. فهو يتقاسم معهم أوضاعهم ويعيشه معهم فكيف سيرضى دونيتهم ومستقبلا تسوده الضبابية تجاههم.
3- إن الصحبة العلمية للأطر التعليمية مرتبطة بشكل وثيق كما أسلفنا بمشروع الكلية ومتعدي إلى مشروع نشر المعرفة والعلوم عامة في العاصمة الروحية للأقاليم الجنوبية، خاصة فيما يتعلق بنشر العلوم أكاديميا، ونحن هنا نسأل عن واقع النشر في الكلية وعن القضايا العلمية التي كُتبت إلى حدود الساعة وعلاقتها بالمجال والإنسان والتاريخ، فسؤال النشر -باعتبار الكتابة عملية تأسيسية- أمر مقلق إلى حد كبير في الكلية، فما هو مآل مجلة الكلية؟ وأين هي المقالات العلمية التي كُتبت طيلة هذه السنوات؟ وأين هي الاستكتابات العلمية التي أطلقتها الكلية طيلة هذه الفترة؟، وبالرمق إلى هذه الأسئلة والاشكالات، تحضرنا أهمية شرط ” الصحبة العلمية ” ودورها في بناء مشروع الكلية ومآلها ونجاحها بالمرة.
-4 ناهيك عن تفشي ظاهرة الغش في سلوكيات بعض الطلبة دون بعض بشكل مخيف بمختلف الوسائل والحيل وما يشوبه من سكوت عن هذه السلوكيات من طرف الإدارة والكلية، ” أسكت عني نسكت عنك” وهذا عكس صورة مشينة عن شواهد الكلية وطلبتها ومدى مصداقيتها.
وعليه نعيد التأكيد على أهمية الصحبة العلمية للأساتذة الباحثين للطلبة ولمشروع الكلية بكل فروعها المعرفية تكوينا ونشرا وتوعية، ولا نظن أن هذا الشرط يمكن أن يستوفيه بكل موضوعية وواقعية إلا الأطر التعليمية التي تعيش هذه الاشكالات وتنام وتصبح عليها وتحترق وتكتوي بنارها. لذلك نلتمس أن يتم فتح مباريات للتعليم العالي في وجه أطر الجهة والإقليم الذين يتوفرون على الشروط القانونية والعلمية من أبناء الإقليم وهم الآن -ولله الحمد- مجموعة لا بأس بها، ولها غيرة حقيقة ومقدرة ورغبة جامحة في تحقيق أهداف المشروع العلمية بحاضرة السمارة. ونناشد جميع المسؤولين مثل رئيس جامعة ابن زهر ورئيس جهة العيون الساقية الحمراء وبرلماني الإقليم رجالا ونساء والسيد رئيس المجلس الإقليمي والسيد رئيس المجلس البلدي وكافة رؤساء المجالس وأعضائها المحترمين وكل من لهم غيرة على هذه الأرض المباركة أن تمنح فرصة لأهل حاضرة السمارة العلمية في المباريات المقبلة التي تعلن عنها جامعة ابن زهر، فمن العار أن يظل أطر وكفاءة السمارة في العطالة وتذهب جهودهم العلمية -وما حصلوه من تجارب علمية- سدى. رغم ما يتوفرون عليه من شروط قانونية وعلمية وما يحملون من همَّ كبير تجاه الشأن العلمي والثقافي لمدينة السمارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.