صحراء بينتي تريس : ترجمة عن مجلة هيبدو
مقابلة أجرتها مجلة “هيبدو “مع الدكتور حميد الرقيبي الإدريسي ، مدير المدرسة العليا للتكنولوجيا بالعيون .
“من خلال تدريب مهندسي وباحثي ومديري المستقبل في الصحراء المغربية، فإننا نصنع السيادة.”
تلقى البروفيسور حميد الرقيبي الإدريسي تدريبه في ألمانيا، وصقلته مسيرة مهنية دولية قبل عودته إلى جذوره، ولم يكن اختياره لجامعة العيون محض صدفة. فقد وُلد في هذه المنطقة قبل 47 عامًا، وعاد إليها بإيمان راسخ: أن الأقاليم الجنوبية تستحق جامعة تليق بمكانتها. وفي غضون سنوات قليلة على رأس جامعة العيون، قاد تحولًا مذهلًا. واليوم، يُرسم هذا الرائد ملامح صحراء مغربية تتألق بالمعرفة بقدر ما تتألق بمواردها الطبيعية.
بعد سنوات من الخبرة في مدن أخرى بالمملكة، اخترت العودة إلى منطقتك الأصلية لقيادة مؤسسة العيون. ما سبب هذه العودة؟
إن هذه العودة خيار شخصي ومدروس لقد حالفني الحظ بتلقي تعليمي في ألمانيا، واكتساب خبرات دولية، وشغل مناصب إدارية، لا سيما في جامعة محمد الخامس وجامعة شعيب الدكالي. لكنّ أنظاري ظلت دائماً متجهة نحو العيون. تشهد المنطقة تحولاً هيكلياً غير مسبوق، مدفوعاً بالرؤية المستنيرة لجلالة الملك محمد السادس. إن المساهمة في هذا التحول من موطني يمنح مفهوم الخدمة الأكاديمية العامة معنىً ملموساً.
شهدت مدرسة EST Laâyoune تحولاً مذهلاً في غضون سنوات قليلة. هل يمكنك توضيح أبرز ملامح هذا التحول؟
عندما توليت رئاسة المعهد، كان لدى معهد I’EST أربعة برامج دبلوم في التكنولوجيا وحوالي 213 طالبًا. أما اليوم، فنقدم 19 برنامجًا تقنيًا ونستقبل أكثر من 1430 طالبًا. لقد قمنا بتحديث البنية التحتية التعليمية، ودمجنا التكنولوجيا الرقمية في جميع ممارساتنا، ووسعنا نطاق…
“إن المساهمة في هذه الديناميكية من بلد المنشأ تعني إعطاء معنى لفكرة الخدمة العامة الأكاديمية.”
تم تطوير مجالات تخصصية لتغطية مهن المستقبل، ونشأت ثقافة مؤسسية للتميز. وكان الهدف هو جعل جامعة العيون للعلوم والتكنولوجيا مركزًا رائدًا للجامعات الرقمية في الصحراء المغربية، بما يتماشى مع المعايير الدولية.
ما هي قطاعات التدريب التي أعطيتها الأولوية ولماذا؟
لقد صممنا برامجنا التدريبية استجابةً للتغيرات الاقتصادية الحقيقية في المنطقة. الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والأمن السيبراني، وهندسة البرمجيات، والتكنولوجيا الحيوية والصحة الرقمية، والمعلوماتية الحيوية، والتسويق الرقمي، والخدمات اللوجستية، والهندسة المدنية، والإعلام الرقمي… كلها مجالات تلبي احتياجات التحول الاقتصادي للصحراء المغربية. ما تحتاجه ولاياتنا الجنوبية هو كوادر مهنية ماهرة قادرة على الاستغلال الأمثل لمواردها الطبيعية.
يبدو أن التعليم العالي في المحافظات الجنوبية يتجاوز الآن دوره الأكاديمي البحت…
بالتأكيد. بفضل ارتباطنا بجامعة ابن زهر، تطورنا من مؤسسات تعليم عالٍ تُخرّج طلابًا إلى مؤسسات تُشكّل منظومات خبرات متكاملة. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في المناطق الجنوبية. فقد أصبحت الجامعة أداةً للسيادة العلمية، ورافعةً للتكامل الاجتماعي والاقتصادي، ومحركًا للجاذبية الدولية. ومن خلال تدريب مهندسي ومطوري وباحثي ومديري المستقبل في العيون، فإننا نبني السيادة. وهذا بُعدٌ أساسي لما تُسميه الرؤية الملكية “السيادة العلمية”.
التنمية المتكاملة للمحافظات الجنوبية، التي تنفذها وزارة التعليم العالي.
لديكم امتياز الإشراف على مصير مؤسسات أخرى في المنطقة، ولا سيما في السمارة. ما هو تفسيركم لهذا البعد الجغرافي الأوسع؟
لا تنتهي مهمتي عند أبواب شرق العيون، بل أشارك أيضاً في التطوير الأكاديمي لكليتين في السمرة: كلية العلوم الشرعية والكلية متعددة التخصصات، حيث شغلت منصب العميد من عام ٢٠١٩ إلى ٢٠٢١. العيون والسمرة والداخلة، هذه المناطق مُهيأة لتشكيل فضاء جامعي متكامل ومترابط. وفي هذا الإطار، يجري النظر في إنشاء جامعة الصحراء المغربية على المدى المتوسط.
بالفعل، لديكم هذا الطموح لإنشاء جامعة في الصحراء المغربية. هل هو مجرد حلم أم مشروع واقعي؟
هذا ليس مجرد احتمال واقعي، بل ضرورة استراتيجية. ففي ظلّ بيئة تتسم بتطور التكتلات الإقليمية، وظهور مشاريع بنية تحتية ضخمة، وطموح المغرب لأن يصبح مركزًا أفريقيًا للتعاون الاقتصادي والعلمي، يُعدّ إنشاء جامعة كهذه تطورًا طبيعيًا. من شأنه أن يُتيح توحيد المؤسسات القائمة وتطوير…
برامج بحثية مخصصة للنظم البيئية الصحراوية والأطلسية، لجذب التعاون الدولي وتوفير فرص أوسع للمواهب الشابة في المنطقة للحصول على تدريب ممتاز.
يبدو أن معهد الدراسات الشرقية في العيون يتماشى تماماً مع الرؤية الملكية التي تدعو إلى التعاون بين بلدان الجنوب والانفتاح على ساحل المحيط الأطلسي. كيف تُحقق مؤسستكم هذا الطموح في سياق التكامل الإقليمي الأفريقي؟ يهدف معهد الدراسات الشرقية في العيون إلى أن يكون مركزاً أكاديمياً رائداً في صميم الرؤية الملكية لتنمية الأقاليم الجنوبية ومنطقة المحيط الأطلسي. وقد أدى افتتاح أكثر من 12 قنصلية في العيون والداخلة إلى خلق ديناميكية غير مسبوقة ندعمها بالدبلوماسية العلمية.
لدينا اليوم 59 طالباً دولياً من 15 دولة شقيقة (السنغال، غينيا، زامبيا، وغيرها). نحن نُعدّ قادة المستقبل الذين سيقودون مسيرة التنمية في القارة بأكملها.
أنت ابن المنطقة وعضو في المجتمع الصحراوي. شكّل قرار مجلس الأمن رقم 2797 خطوة حاسمة في خطة الحكم الذاتي. ما هو شعورك حيال هذا الاعتراف الدولي؟
“لقد أدى افتتاح القنصليات في العيون والداخلة إلى خلق ديناميكية ندعمها من خلال الدبلوماسية العلمية.”
بصفتي صحراويًا، أرى في القرار 2797 تتويجًا طبيعيًا لمسيرة الاستقرار والعدالة، ووعدًا بالكرامة والازدهار لسكان المنطقة. أطمح لشبابنا أن يكونوا الفاعلين الرئيسيين في هذا التحول. في الشرق، نعمل على تمكين كل طالب صحراوي من بناء منطقته، وأن يصبح رائد أعمال، وأن يمثل بفخر صحراء المغرب الحديثة.
إن نجاح كلية الدراسات العليا في العيون وتكامل المؤسسات الجامعية في منطقة العيون-الساقية الحمراء هو ثمرة جهد جماعي.
وأود أن أُشيد بالتزام السيد عبد السلام بكرات، والي منطقة العيون-الساقية الحمراء، والسيد مولاي حمدي ولد الرشيد، رئيس بلدية العيون، والسيد سيدي حمدي ولد الرشيد، رئيس المجلس الإقليمي، والمسؤولين المحليين المنتخبين لدعمهم المتواصل. كما أُثني على دعم معالي الوزير عز الدين المداوي، رئيس جامعة ابن زهر، الأستاذ نبيل حمانة، وكذلك القطاع الاجتماعي والاقتصادي والصناعيين الذين يؤمنون بمشروعنا.
ولكن ما كان ليتحقق كل هذا لولا تفاني أعضاء هيئة التدريس والباحثين والإداريين والطلاب. أطمح إلى جعل الصحراء المغربية مركزًا للتميز الأكاديمي والابتكار يخدم المغرب وأفريقيا .
