صحراء بينتي تريس : بقلم /ضعيف المحفوظ /باحث في مجال علم النفس
لم تكن منصّة المؤتمر الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار في العيون سوى خشبة عادية ضمن سياق حزبي اعتيادي، حتى صرح سيدي محمد الجماني، الرئيس السابق لجماعة السمارة ل “بينتي تريس، ليحوّل الحدث إلى لحظة فارقة في المشهد السياسي المحلي.
بكلمات محسوبة، لكنها محمّلة، أعاد الرجل فتح ملف انتخابات 2021، متّهماً صراحة السلطات المحلية السابقة بالتدخل في مجريات العملية الانتخابية، بل وبتحويل مسار النتائج من خلال ما سماه “إلغاءً ممنهجاً للأصوات”، مستشهداً بحادثة قطع الكهرباء عن مراكز اقتراع، والتي أُثيرت حينها كواحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل.
لم يكن ما قاله مفاجئاً في مضمونه فقط، بل في توقيته أيضاً. فالرجل الذي غاب عن الأضواء أربع سنوات، عاد فجأة بلهجة حادة، لم يعهدها فيه المتابعون. عادةً ما كان يُعرف بهدوئه وتجنبه للصدام، لكن هذه المرة بدا وكأنه قرر أن يتكلم دفعة واحدة، وبلغة لا تقبل التأويل.
السؤال الذي طرح نفسه فوراً: لماذا الآن؟ هل هو تمهيد للعودة السياسية؟ أم مجرد تصفية حساب مع لحظة شعر أنها ظلمته؟ أم أن هناك ما هو أبعد: محاولة لإعادة ترتيب الأوراق قبل دخول غمار استحقاقات مقبلة؟
الواقع أن الجماني لم يوجه سهامه في اتجاه واحد. فهو لم يكتف بتوصيف ما يعتبره خللاً في الانتخابات، بل قدّم نفسه في الآن ذاته كخيار بديل، مستنداً إلى رصيده الأخلاقي ونزاهته المعروفة في السمارة، التي لم تُسجل عليه خلالها أية شبهة فساد، أو تضخّم ثروات، أو استغلال للنفوذ.
لكن المشكل يكمن في موضع آخر. فالخطاب الذي ألقاه الجماني بقدر ما حرّك المياه الراكدة، بقدر ما أعاد للأذهان أداءه خلال سنوات التسيير. فترة لم تكن خالية من الانتقادات، خاصة فيما يتعلق بغياب الرؤية، واستمرار النمط التقليدي في التدبير، وتفويض صلاحيات حساسة لأشخاص لم يكونوا دائماً في مستوى الثقة.
وإذا كان السياسي يُقاس بما أنجز، لا بما نوى، فإن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لإقناع جمهورٍ بدأ يطالب بالحكامة أكثر مما يطلب القرب والنية الحسنة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الجماني بتصريحه الأخير، وضع الجميع أمام مرآة اللحظة: السلطة، الأحزاب، والساكنة. فقد ذكرهم بأن الزمن السياسي لا يُمحى بالتقادم، وأن الذاكرة المحلية ليست قصيرة كما يظن البعض.
فهل نعيش مقدمات لعودة قوية للرجل؟ أم أنها مجرد ومضة عابرة في سياق متقلب؟ الأكيد أن ما بعد هذا التصريح لن يكون كما قبله، وأن الجماني – شاء من شاء أو أبى من أبى – أعاد خلط الأوراق في معركة لم تُحسم بعد .
