صحراء بينتي تريس : ومع
منذ ولادة السينما في مطلع القرن العشرين، ظل الأدب، كأي أم حانية تمنح الدفء والحياة، يحتفظ بعلاقة عميقة، أشبه بحبل سري لا ينفصم، مع الفن السابع.
وهكذا، فقد استلهمت العديد من الأفلام، التي تعد اليوم علامات فارقة في تاريخ السينما، مادتها من أعمال روائية. وتنتصب، في هذا السياق، الملحمة الأسطورية “سيد الخواتم”، والفيلم العجائبي “هاري بوتر”، والرائعة الكلاسيكية الرومانسية “كبرياء وتحامل”، ناهيك عن فيلم “العراب” الذي يعد واحدا من أفضل الأفلام في تاريخ السينما.
وفي المغرب، تبدو الصورة مختلفة، فعلى مدى ستة عقود من عمر السينما المغربية، لم تجد سوى أعمال أدبية محدودة، لا تتجاوز العشرين، طريقها إلى الشاشة، مع درجات متفاوتة من النجاح.
ومن بين هذه الأعمال، “حلاق درب الفقراء” (1982) لمحمد الركاب، المقتبس من مسرحية ليوسف فاضل، و”جارات أبي موسى” (2003) لمحمد عبد الرحمن التازي، المستوحى من رواية لأحمد التوفيق، و”يا خيل الله” (2013) لنبيل عيوش، المأخوذ عن رواية “نجوم سيدي مومن” لماحي بنبين، وهي أعمال تركت بصمتها في الذاكرة السينمائية المغربية.
يقول الروائي الأمريكي ويليام فوكنر (1897–1962)، “إن الكتب الجيدة تفضي بشكل بديهي إلى أفلام جاهزة للإخراج”. غير أن النجاح، ليس بديهيا في المقابل، ذلك أن الانتقال من الكلمات إلى الصورة يظل سبيلا مليئا بالأشواك.
المؤلف / المخرج: نحو البحث عن التوافق
وتتمثل أولى العقبات التي تواجه المخرج الراغب في “تطويع” نص أدبي في الحصول على حقوق المؤلف. وهي مرحلة تتطلب جولات من التفاوض مع الكاتب والمنتج من أجل التوصل إلى عقد منصف للطرفين.
عمليا، وقبل التوقيع على العقد النهائي المتعلق بحقوق الاقتباس، يبرم الطرفان ما يعرف بـ”عقد الخيار”، الذي يتيح للمنتج “حجز” حقوق الاقتباس لفترة تمتد إلى بضعة أشهر، يتم خلالها البحث عن التمويل واختيار كاتب السيناريو.
وفي معرض حديثه عن بعض تجاربه الشخصية يقول المخرج محمد عبد الرحمن التازي إن الأمر يتعلق بالمرحلة الأكثر “حساسية” في أي مشروع يهدف إلى اقتباس عمل أدبي إلى السينما.
يروي التازي في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء أنه اضطر “في أكثر من مناسبة إلى الانسحاب بسبب مشاكل مرتبطة بحقوق المؤلف. في إحدى المرات، وبعد انتهاء مدة عقد الخيار المحددة في ثلاثة أشهر، تراجع الكاتب عن الاتفاق، لأن عمله فاز خلال تلك الفترة بجائزة مرموقة. ورأى، بالتالي، أنه يستحق تعويضا أكبر من الذي اقترحته عليه. وفي موقف آخر، انسحب كاتب من العقد لأن منتجا سينمائيا آخر قدم له عرضا أفضل”.
كانت الأمور أكثر يسرا وسلاسة مع رواية “جارات أبي موسى” لأحمد التوفيق، يستدرك التازي، “اتفقنا على الخطوط العريضة، ولم يبق سوى بعض التفاصيل المرتبطة بإمكانية تنفيذ بعض المشاهد، وتم إنجاز الفيلم سنة 2003”.
ويعتبر التازي أن “الرهان الحقيقي لا يكمن في ندرة النصوص الجيدة، بل في القدرة على إيجاد تفاهمات دقيقة بين الكاتب والمنتج في الآن ذاته”.
وبعد التوصل إلى الاتفاق وتوقيع العقد النهائي، ينبغي الانتقال إلى مرحلة لا تقل تعقيدا، وتتمثل في تحديد المقاربة الفنية والتعديلات اللازمة لتحويل النصوص إلى مشاهد وحوارات وشخصيات نابضة بالحياة، وهي مهمة صعبة تتطلب المرونة وحسن النية.
ويرى الناقد السينمائي سعيد شملال، في هذا الصدد، أن إشراك الكاتب في مسار الاقتباس يظل “ضروريا” لكي يحافظ المنجز السينمائي على روح العمل الأدبي، على أن يقابله من جهة أخرى تحلي الكاتب بقدر واسع من الانفتاح على اقتراحات التعديل، لأن الأمر لا يتعلق في نهاية المطاف بنص مقدس.
مد الجسور بين السينما والأدب
يعتبر الكاتب والفنان التشكيلي ماحي بينبين في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الأمر يتعلق بشراكة قائمة على مبدأ رابح – رابح”، مستشهدا بتجربته مع المخرج نبيل عيوش في فيلم “يا خيل الله”.
وفي هذا الصدد يقول بينبين إنه: “في رواية “نجوم سيدي مومن”، لم يكن السرد خطيا، إذ تبدأ الرواية بموت الراوي ثم تروى الأحداث بتقنية الفلاش باك. أما في الفيلم، فقد اختار نبيل عيوش إعادة ترتيب الأحداث كرونولوجيا. وقد حقق الفيلم نجاحا كبيرا في المهرجانات الوطنية والدولية ونال العديد من الجوائز”.
ويظل إنتاج فيلم انطلاقا من عمل أدبي ممارسة غير شائعة كثيرا في الثقافة السينمائية الوطنية، مع أنها تجربة ثرية ومفيدة للجميع.
وأعرب بينبين، عن اندهاشه لقلة الأعمال من هذا النوع قائلا “في الغرب، تحولت معظم الروايات الكبرى إلى أفلام، بينما لا يستفيد المخرجون المغاربة بما يكفي من هذا الرصيد الأدبي الغني والمتنوع، الذي أبدعه كتاب قدامى ومعاصرون”.
وفي هذا الصدد، يؤكد الناقد السينمائي سعيد شملال أنه “باستثناء أعمال قليلة، فإن الروائيين المغاربة لا يتواصلون، على نطاق واسع، مع عالم السينما. وفي المقابل فإن صناع السينما عموما لا يتمتعون بثقافة أدبية واسعة”. ومن ثم تبرز الحاجة – برأيه – إلى ضرورة “كسر الجليد” وإعادة بناء الجسور بين عالمين متباينين، من حيث الطبيعة، متقاربين، من حيث الجوهر الكامن في فعل الكتابة.
في هذا الشأن قال المخرج والكاتب الفرنسي ألكسندر أستروك (1923–2016)، إن “المخرج يكتب بالكاميرا، كما يكتب المؤلف بالقلم”، ما يجعل الإخراج “كتابة حقيقية” أعمق من مجرد “تجسيد توضيحي يعرض مشاهد مصورة”.
وفي ضوء ما يتيحه هذا التلاقي بين عالمي الكلمة والصورة من إمكانات واعدة، تظل الحاجة قائمة إلى أن يلتقي الروائيون وصناع السينما حول مشروع إبداعي مشترك، يعيد إحياء تلك العلاقة الحميمة بين الكتاب والشاشة، وهي علاقة أنجبت في الماضي روائع سينمائية خالدة، وقادرة اليوم على أن تفتح أمام السينما المغربية آفاق عصر ذهبي جديد.
